اسماعيل بن محمد القونوي

39

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والسخرية وقد عرفت أن التعبير بالإيمان في زعم المخاطب ولو قيل إن فيه استعارة تهكمية دون إسناد الأمر إليه لكان له وجه . قوله : ( أي بالتورية والمخصوص ) لما فصل قريبا أحوال ما لم يتعرض له هنا وقال والمخصوص ( بالذم محذوف نحو هذا الأمر ) لدلالة المقام على تعيينه وهو هذا الأمر « 1 » وهذا مدلول المقام ولذا قدمه في تبيين المرام ثم جوز كونه الأمر العام له ( أو ما يعمه وغيره من قبائحهم ) فيدخل هذا الأمر دخولا أوليا فيكون الحذف حينئذ للتعميم مع الاختصار والقرينة ما أشار إليه بقوله ( المعدودة في الآيات الثلاث ) الآية الأولى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا [ البقرة : 13 ] الآية والثانية وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ [ البقرة : 92 ] والثالثة هذه الآية وهي : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [ البقرة : 63 ] الآية والقبائح المعدودة قتل الأنبياء واتخاذ العجل وقولهم سَمِعْنا وَعَصَيْنا فيفهم من فحوى الكلام مذمومية هذا الأمر مبالغة وهذا لقربه يدخل دخولا أوليا فتأمل . قوله : ( إلزاما عليهم ) مفعول له لقوله قل . قوله : ( تقرير للقدح في دعواهم الإيمان بالتورية ) يعني أن القائل سبحانه وتعالى لأن قوله : نحو هذا الأمر هو عبارة عن حب العجل أو العصيان المدلول عليه بقولهم وعصينا فإن كل واحد من هاتين الرذيلتين لقربهما هو المناسب لكلمة هذا الموضوعة للإشارة إلى القريب في هذا الأمر والمعنى بئس شيء يأمركم به إيمانكم بالتورية محبة العجل أو العصيان والتورية لم تأمرهم بذلك وإنما المراد تكذيبهم في قولهم نؤمن بما أنزل علينا على وجه التهكم كما قال قوم شعيب أصلاتك تأمرك معنى التهكم مستفاد من إسناد الأمر إلى إيمانهم وذلك من إضافة الإيمان إليهم وكذلك من تسمية اعتقادهم ذلك إيمانا كما تقول في شأن البخيل اللئيم رأيت اليوم جوادا كريما والتهكم في أمثال هذا إنما جاء من تسمية الضد بالضد فيقال للجبان ما اشجعه وللقبيح ما أحسنه ومنه قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] . قوله : أو ما يعمه وغيره من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث المعنى بئس شيء يأمركم به إيمانكم ما فعلتموه والآية الأولى هي قوله عز وجل : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 83 ] إلى آخر الآيات والثانية قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [ البقرة : 84 ] إلى ساقتها والثالثة قوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [ البقرة : 93 ] الآية أقول الأولى أن لا يحصر الآيات العادة لقبائحهم في الثلاث لأن من تلك الآيات قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ [ البقرة : 63 ] إِلَّا أَنْ تَكُونَ [ البقرة : 282 ] الآية الأخيرة تكريرا لتلك الآية كما قال صاحب الكشاف في هذه الآية الأخيرة كرر رفع الطور لما نيط من زيادة ليست مع الأولى مع ما فيه من التوكيد لكن هذا لا يشفي في توجيه الحصر في الثلاثة لأن تكرير لفظ الطور هنا لنكتة لا يستلزم تكرير ما في تلك الآية من أمثالهم فإن ثمة من معايبهم ما ليس في الأخيرة .

--> ( 1 ) وهو قولهم عصينا أمرك فيكون قوله بئسما جملة معترضة متعلقة بقوله قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا كما قيل .